📁 آخر الأخبار

الفروق الدقيقة بين البيداغوجيا والديدكتيك وتكنولوجيا التعليم (الجزء 1)




نورالدين البودلالي



.

تمهيد: ثلاثة مفاهيم متجاورة وليست مترادفة

يكثر في الخطاب التربوي المعاصر استعمال كلمات مثل البيداغوجيا، والديدكتيك، وتكنولوجيا التعليم، حتى ليبدو أحيانًا أنها تحيل إلى الشيء نفسه: مجموعة من الأفكار والطرائق والوسائل التي تساعد وتمكّن المتعلم من التعلم. غير أن التشابه في مجال الاشتغال لا يعني التطابق في موضوع النظر.

فحين نتحدث عن البيداغوجيا، فإننا ننظر، في جانب أساسي منها، إلى فعل التربية والعلاقة التي تنشأ بين المربي والمتعلم والمعرفة، وإلى الاختيارات التي توجه هذه العلاقة. أما الديدكتيك فيولي اهتمامًا أكثر تحديدًا لمسألة المعرفة موضوع التعليم: طبيعتها، وبنيتها، وتحولاتها، والصعوبات التي تعترض تعلمها. وأما تكنولوجيا التعليم فلا ينبغي اختزالها في الحاسوب والسبورة الرقمية والمنصات التعليمية؛ إنها، في معناها الحديث، مجال يهتم بتصميم وتنظيم وتدبير وتقويم بيئات وخبرات التعلم، وتوظيف الموارد والعمليات المناسبة من أجل تحسين التعلم. وهذا المعنى الواسع تؤكده اليوم الجمعية الأمريكية لتكنولوجيا التعليمAECT، التي تجعل من التصميم والتنفيذ والتدبير والتقويم عناصر أساسية في تعريفها للمجال.

ومن هنا يمكن القول، بصورة أولية، إن السؤال البيداغوجي يهتم كثيرًا بـ كيف نربي ونتعلم معًا؟، والسؤال الديدكتيكي بـ كيف نجعل معرفة معينة قابلة للتعليم والتعلم؟، بينما يسأل مجال تكنولوجيا التعليم: كيف نصمم البيئة والموارد والعمليات التي تجعل التعلم أكثر إمكانًا وفاعلية؟

غير أن هذه الحدود تظل مرنة؛ فالواقع التعليمي الواحد يمكن أن يكون موضوعًا للبحث البيداغوجي والديدكتيكي والتكنولوجي في الوقت نفسه، لكن كل مجال ينظر إليه من زاوية مختلفة.

أولًا: البيداغوجيا، أو التفكير في الفعل التربوي

ليس من السهل اختزال البيداغوجيا في تعريف واحد. فهي ليست مجرد «طريقة للتدريس»، كما قد يوحي الاستعمال اليومي للكلمة. تتخذ البيداغوجيا، عند جان هوساي مثلًا، شكلًا أكثر تركيبًا؛ إنه يعرفها باعتبارها تداخلًا جدليًا بين النظرية والممارسة التربوية، ويرى في البيداغوجي ممارسًا ومنظّرًا للفعل التربوي في الوقت نفسه.

أما في تصور فيليب ميريو، فإن التفكير البيداغوجي لا ينفصل عن طبيعة العلاقة التربوية نفسها. فهو ينطلق من اعتبار التربية علاقة غير متناظرة، ضرورية ومؤقتة، غايتها أن تتيح ظهور ذات قادرة على الاستقلال. ومن ثم فإن البيداغوجيا لا تسأل فقط: كيف ننقل المعرفة؟ بل تسأل أيضًا عن نوع العلاقة التي نقيمها مع المتعلم، وعن الشروط التي تساعده على أن يصبح فاعلًا في تعلمه وتكوينه.

وهنا تظهر إحدى أهم خصائص التفكير البيداغوجي: إنه لا ينظر إلى المتعلم باعتباره وعاءً للمعلومات. فاختيار العمل الجماعي بدل المحاضرة، أو الحوار بدل الإلقاء، أو المشروع بدل التمرين التقليدي، ليس مجرد اختيار تقني؛ إنه يعكس تصورًا معينًا للمتعلم، وللمعرفة، وللسلطة التربوية، ولغاية المدرسة.

ولهذا يصبح السؤال البيداغوجي سؤالًا عن الاختيار أيضًا: لماذا نستخدم هذه الطريقة وليس تلك؟ لماذا نجعل المتعلم يعمل منفردًا أو ضمن جماعة؟ ما موقع الخطأ؟ هل هو فشل ينبغي التخلص منه، أم لحظة يمكن أن تكشف عن كيفية تفكير المتعلم؟ هل وظيفة المدرس نقل المعرفة، أم تنظيم شروط اكتشافها وبنائها؟

ويمكن الاستفادة هنا من نموذج جان هوساي الشهير، الذي ينظر إلى الوضعية التربوية من خلال ثلاثة أقطاب: المعلم، والمتعلم، والمعرفة. وقد صاغ هوساي من خلال هذه العلاقة ثلاث عمليات كبرى: «التعليم» حين تكون العلاقة بين المعلم والمعرفة هي الغالبة، و«التكوين» حين تتقدم العلاقة بين المعلم والمتعلم، و«التعلم» حين تصبح علاقة المتعلم بالمعرفة هي المركز.

المغزى المهم هنا ليس ضرورة اختيار أحد الأقطاب وإلغاء الآخرين، بل أن كل ممارسة تعليمية تمنح بعض العلاقات أولوية معينة.

وعليه فإن البيداغوجيا تفكر في تنظيم الفعل التربوي وفي العلاقة بين أطرافه، وفي الاختيارات والقيم التي توجه هذا التنظيم.

ثانيًا: الديدكتيك، أو حين تصبح المعرفة نفسها موضوعًا للسؤال

إذا كانت البيداغوجيا تهتم بدرجة كبيرة بالعلاقة التربوية وباختيارات المربي والمتعلم، فإن الديدكتيك يضع المعرفة موضوع التعليم في مركز اهتمامه.

وهذا هو أحد الفروق الأساسية التي تسمح لنا بتجنب الخلط بين المجالين.

لقد أسهمت أعمال إيف شوفلار، في الديدكتيك الفرنسي، في إعطاء مفهوم النقل أو التحويل الديدكتيكي (Transposition didactique) مكانة مركزية. ويشير المفهوم، في صيغته الأساسية، إلى التحولات التي تجعل من معرفة معينة موضوعًا للتعليم. وقد صاغ شوفلار كتابه La transposition didactique : du savoir savant au savoir enseigné  سنة 1985، وأصبح هذا العمل من المراجع الأساسية في تاريخ الديدكتيك.

المسألة هنا دقيقة جدًا: المعرفة التي ينتجها الباحثون ليست هي بالضرورة المعرفة التي تصل إلى المتعلم في المدرسة.

فالمعرفة العلمية تتكون داخل تاريخ ومؤسسات وممارسات بحثية محددة، بينما تدخل المعرفة المدرسية في نظام آخر له أهدافه وبرامجه وقيوده وزمنه وطرائق تقويمه. ولذلك فإن انتقال المعرفة من مجال إنتاجها إلى مجال تعليمها ليس عملية نسخ آلي.

وقد لخص أندري بيتيجان، في عرضه لمفهوم شوفلار، الفكرة باعتبار الديدكتيك مجالًا يدرس النظام الذي يجمع المعلم والمتعلم والمعرفة، ويركز على المسافة والتحولات التي تفصل المعرفة العالمة عن المعرفة التي تصبح موضوعًا للتعليم.

ومن هنا تأتي أهمية السؤال الديدكتيكي: ماذا يحدث للمعرفة حين تدخل المدرسة؟

لنفترض أننا نريد تعليم مفهوم فلسفي مثل «الحرية». لن يكفي أن ننقل إلى التلاميذ نصوص سبينوزا أو كانط أو سارتر كما هي. فالمعلم يحتاج إلى تحديد ما الذي ينبغي أن يتعلمه المتعلم تحديدًا، وما المفاهيم السابقة الضرورية، وما النصوص المناسبة لمستواه، وما الأسئلة التي يمكن أن تجعل المفهوم موضوعًا للفهم والمناقشة.

هنا يبدأ العمل الديدكتيكي.

ولا يتعلق الأمر بالفلسفة وحدها. فمدرس الرياضيات الذي يعلم «الدالة»، أو مدرس العلوم الذي يشرح «الاحتراق»، أو مدرس اللغة الذي يشتغل على «الاستعارة»، يواجه السؤال نفسه: كيف تتحول المعرفة إلى موضوع يمكن للمتعلم أن يتعامل معه ويفهمه ويعيد بناءه؟

وقد طور غي بروسو، في مجال ديدكتيك الرياضيات، نظرية الوضعيات الديدكتيكية التي تجعل من الوضعية التعليمية موضوعًا للتحليل العلمي، وليس مجرد تطبيق لوصفة جاهزة. وهو يؤكد أن النظرية ينبغي أن تساعد على الملاحظة والفهم العلمي للحوادث الديدكتيكية، لا أن تتحول ببساطة إلى مجموعة من التعليمات التطبيقية.

ومن هنا يمكن أن نفهم أن الديدكتيك لا يساوي «طرائق التدريس». إنه أوسع وأكثر عمقًا من ذلك، لأنه يدرس العلاقات بين المعرفة والمدرس والمتعلم والوضعية التعليمية، ويسأل عن كيفية بناء المعرفة موضوعًا للتعلم.

ثالثًا: تكنولوجيا التعليم ليست مجرد أجهزة رقمية

ربما يكون مفهوم تكنولوجيا التعليم هو الأكثر تعرضًا للاختزال في الخطاب المعاصر.

فعندما نقول «تكنولوجيا التعليم»، يتبادر إلى الذهن غالبًا الحاسوب، واللوح التفاعلي، والفيديو، والمنصة الرقمية، والهاتف، والذكاء الاصطناعي. وهذه كلها قد تدخل بالفعل في تكنولوجيا التعليم، لكنها لا تستنفد معناها.

تاريخيًا، سعت الجمعية الأمريكية للاتصالات والتكنولوجيا التربوية AECT إلى تقديم تعريفات أوسع من مجرد تعريف التكنولوجيا باعتبارها أجهزة. وفي تعريفها الحديث المعتمد سنة 2023، تعرف تكنولوجيا التعليم بأنها دراسة وتطبيق أخلاقيان للنظرية والبحث والممارسات من أجل تطوير المعرفة وتحسين التعلم والأداء وتمكين المتعلمين، من خلال التصميم الاستراتيجي والتنفيذ والتدبير والتقويم لخبرات وبيئات التعلم، باستخدام العمليات والموارد المناسبة.

وهذا التعريف مهم لأنه يعيد التكنولوجيا التعليمية إلى طبيعتها الحقيقية: التكنولوجيا هنا ليست الجهاز، وإنما النظام الذي يجعل استخدام الموارد والعمليات والوسائط جزءًا من تصميم التعلم.

وتقدم اليونسكو بدورها تعريفًا يجعل تكنولوجيا التعليم مجالًا يتعلق بالنظرية والتطبيق المنهجي للوسائط التعليمية.

فإذا استخدم المدرس فيديو في بداية درس، فإن وجود الفيديو في حد ذاته لا يجعل النشاط «تكنولوجيا تعليم». السؤال الحقيقي هو: لماذا اختير الفيديو؟ وما الهدف منه؟ وكيف سيستخدمه المتعلم؟ وهل سيتبعه نقاش أو نشاط أو تقويم؟ وهل أثبتت الطريقة أنها تساعد فعلًا على بلوغ الهدف؟

ومن ثم، فإن التكنولوجيا التعليمية تبدأ قبل الجهاز وتنتهي بعده. بل يمكن أن توجد تكنولوجيا تعليمية من دون جهاز رقمي أصلًا: تصميم نشاط تعليمي، تنظيم تسلسل تعلم، إعداد بطاقة عمل، اختيار وسيلة بصرية، بناء اختبار تشخيصي، أو تصميم بيئة تعلم وفق أهداف ومعايير محددة، كلها يمكن أن تدخل في التفكير التكنولوجي في التعليم إذا نظرنا إلى التكنولوجيا باعتبارها تصميمًا منهجيًا للعمليات والموارد.

وهذا ما يجعل الذكاء الاصطناعي، مثلًا، أداة مهمة في تكنولوجيا التعليم، لكنه لا يصبح تلقائيًا «حلًا تربويًا». فاختيار استخدام نموذج للذكاء الاصطناعي لتوليد أسئلة أو تقديم تغذية راجعة أو محاكاة حوار تعليمي ينبغي أن يخضع لأهداف التعلم، وطبيعة المعرفة، ومستوى المتعلم، والاعتبارات الأخلاقية.

وتؤكد اليونسكو في حديثها عن التكنولوجيا والتعليم أن الابتكار الرقمي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يكمل التعليم ويثريه ويغير بعض ممارساته، لكنها تؤكد في الوقت نفسه منظورًا إنسانيًا يجعل التكنولوجيا في خدمة الإنسان لا العكس.

 

مراجع

1.           Houssaye, Jean. Le triangle pédagogique : théorie et pratiques de l'éducation scolaire. Peter Lang ، 2000

2.           Houssaye, Jean. « La pédagogie : une encyclopédie pour aujourd'hui ». ESF éditeur | 2007

3.           Meirieu, Philippe. « Praxis pédagogique et pensée de la pédagogie », Revue française de pédagogie, n°120, 1997, pp. 25-37.

4.           Philippe Meirieu, Dictionnaire inattendu de pédagogie, Paris, ESF, octobre 2021, 528 p..

5.           Chevallard, Yves. La transposition didactique : du savoir savant au savoir enseigné. Grenoble, La Pensée Sauvage, 1985.

6.           Petitjean, André. « La transposition didactique en français », Pratiques, n°97-98, 1998, pp. 7-34.  .

7.           Brousseau, Guy. La théorie des situations didactiques en mathématiques. https://doi.org/10.4000/educationdidactique.1005

8.           AECT – Association for Educational Communications and Technology. AECT Definition for Educational Technology.

9.           Januszewski, Alan & Molenda, Michael (eds.). Educational Technology: A Definition with Commentary. Lawrence Erlbaum Associates, 2008..

10.       UNESCO. UNESCO Thesaurus – Educational Technology.

 

 

 


ما رأيك في هذا المقال؟ 💬

ساعدنا في تطوير المحتوى عبر مشاركة تقييمك وملاحظاتك الفكرية أو التربوية: